الفكر الإسلامي

 

ما تحويه سورة الكهف من إشارات إلى الفتنة الدجالية

الحلقة (30)

 

بقلم : الباحث الإسلامي الكبير الأستاذ السيد مناظر أحسن الكيلاني رحمه الله

أحد كبار علماء جامعة ديوبند ، المتوفى 1375هـ / 1956م

تعريب : الأستاذ محمد عارف جميل القاسمي الأعظمي

 

بشرىٰ لأهل الإيمان :

     ويبدو أن القرآن الكريم – إشارةً إلى ذلك – بشّر الذين آمنوا به وبالرسول الذي جاء به ، والذين قضوا حياتهم خاضعين لمتطلبات هذا الإيمان بقوله: (إِنَّ الَّذِيْنَ آمَنُوْا ، وَعَمِلُوْا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِيْنَ فِيْهَا) .

     ورغم أن بشرىٰ القرآن هذه لهم بشرى عامةٌ شاملةٌ ، ثمَّ إعادتها وتكرارها مرّات ومرّات – أي أن السعي على تكييف هذه الحياة الأرضية التي لاتعدو أيامًا – مع القوة الكونية المركزية والوجود المحوري ، ليصل بصاحبه إلى الجوّ الذي سيَجِد فيه قوة الكون المركزية ، والمحور الوجودي فسجمًا مع كل ما تشتهيه نفسه وترغب وتشعر . وهذه الحياة تُورثُها النتيجة العامة المركزية تسمى بالحياة الفردوسية ، غير أننا نجد هذه البشرىٰ تتضمن – بهذه المناسبة الخاصة – زيادةً خاصةً هي : (لاَيَبْغُوْنَ عَنْهَا حِوَلاً) ، وأودّ أن أتحدَّث عن هذه الزيادة قليلاً:

     وأما الاعتقاد بأن الإنسان الذي سيتمتع بهذه الحياة الفردوسية – التي تُورثِها النتيجة العامة – لا يبقىٰ إنسانًا ، وإنما يعود ملكاً ؛ بل يصبح – والعياذ بالله منه – خالقًا بعد ما ينصهر ويفنىٰ في ذات الخلق، كما يُؤَكَّد – في شأن الوضع الذي يُعَذَّب فيه الإنسانُ – على أنه لا يبقى إنسانًا ، وإنما يعود فرسًا وفيلاً ، وثورًا وفأرةً وما إلى ذلك ، فكما هو معلوم أن القــرآن الكريم لم يَدَع مجالاً لمثل هذه المعتقدات المفنَّدة ، والأوهام المختلقة ، ونادىٰ – وكرّر نداءَه – في كل مكان بكل صراحةٍ ووضوح ، أن الإنسان في الوضعين – أي عقابه وعذابه ، وثوابه وجزائه – يبقى إنسانًا كما هو بكل عواطفه ومشاعره ، وخصائصه وميزاته ، في الحياة القابلة التي يصير إليها.(1)

     ونظرًا إلى ما تختصّ به الفطرة الإنسانية من أن كثرة تناول ألّذ الأشياء تُورِث في الإنسان الملل والسآمة ، وأن توفير أسباب العيش على أعلى المستويات وأرفعها ، وحياة الراحة والدعة ، إذا ما استمرّت وتتابعت على الإنسان ، تعود شاقةً تُقِضّ مضجعه . فالوجبات التي تقدّمها مطاعم السكن الطلابي لايستسيغها الطلاب عادةً ؛ إذ يَملُّون تكرار أنواع محددة من الوجبات . وهذا قانون ومتطلب طبيعي ، جُبِلَ عليه الإنسان . وهذا يُثِير الوساوس والشكوك في مدىٰ استدامة الراحة والدعة على الإنسان في الحياة الفردوسية الدائمة الخالدة .

     ويبدو أن مفاد هذه الزيادة الجديدة (لاَيَبْغُوْنَ عَنْهَا حِوَلاً) قد يستهدف القضاء على هذه الوسوسة.

     وأما قوله : (قُلْ لَوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّيْ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّيْ ، وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِه مَدَدًا) فيبدو – في النظرة الخاطفة – غير مرتبط بما قبله . ولكن لو أمعنّا النظر فيه ، لوجدنا أن ما قد توسوس به النفوس – أي مخافة الملل والسآمة من استدامة الحياة الفردوسية ، كما يقتضيه الطبيعة الإنسانية العامة – تضمن هذه الآيات الوقاية منها .

     والحق أن ما يلتذّ به المشاعر الإنسانية في الحياة الفردوسية ، لايصحّ أن نفترض في خصوصه أنه يُرزَق دائمًا ما رُزِق أول مرةٍ . والآية الشهيرة من سورة البقرة(25) : (كُلَّمَا رُزِقُوْا مِنْهَا مِنْ ثـَمَرةٍ رِزْقًا قَالُوْا : هَذَا الَّذِيْ رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) تشير إلى أنه كلما يظنّ المرء أنه أُعِيدَ له شيءٌ من الأشياء ، قُضِيَ – بالتجربة العملية – على أنه لايشبهه إلا صورة ، وأما معنىً وفي الواقع ، فلا يُكَرَّر شيءٌ في الجنة أبدًا ، وأنّىٰ يتمّ الإعادة والتكرار لشيء حيث يسوده القانون الكلي الذي تتطلبه لفظة : (كُلَّما) . وقال ابن عباس(2) ذات يوم وهو يعظ : «ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء» .(3)

     ولِنَقُلْ – إذًا – إن «التفاحة» التي تُقدَّم لأهل الجنة – مثلاً – تكون تفاحة لاغيرُ . إلا أن تفاحة الجنة تختلف عن تفاحة الدنيا تمامًا . فلا يشتركان إلا في اللفظ والإسم . ثم كيف تفاحة الجنة بجميع مواصفاتها ؟ يشير إليه الحديث الشهير : «ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».(4)

     والحق أن هذا الحديث تفسير وضِّح معنى قوله تعالى : (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ) (حـٰـم سجدة/32) . وكل ذلك يفصّل ما أجْمِلَ في قوله تعالى : (لِلَّذِيْنَ أَحْسَنُوْا الْحُسْنـٰـى وَزِيَادَةٌ) (سورة يونس/10) . ولفظة «زيادة» الواردة في هذه الآية ، يدل الصحيح من الآحاديث والآثار على أن المراد منها: ربط الفطرة الإنسانية بالذات الإلـٰـهية المباركة برباطٍ مباشرٍ.(5) تلك الذات التي لاتقف أسماؤها وصفاتها ، وكمالها وفضلها عند حدٍ ، وبمظاهر تضامن هذا الكمال والفضل غير المتناهي – الذي لاتُعَرفُ درجاتُه بدايةً ولا نهايةً ، كمًّا وكيفًا – يُضفي الله سبحانه وتعالى على علمه اللامتناهي وجودًا شهوديًا بكلمة «كُنْ» . وكلمة «كُنْ» اللامحدودة هذه نشأت عن العلم اللامتناهي . ولامحدوديتها هذه قد تَمّ وصفها في الآية السالفة – كما ينصّ عليه أصحاب التحقيق – بأن البحر – ولو مدّ بعده بحر – لن يَكفِيَ كتابة كلمات الله اللامحدودة هذه . وذلك يرجع – كما هو الظاهر – إلى أن المحدود هيهات أن يحيط باللامحدود ويستوعبه.

معنى كلمة اللّه :

     ولايعزّبن عن بالك أن وصف القرآن الكريم المسيح عليه السلام بـ«كلمة الله» لايعني إلا أنه خُلِق بكلمة «كُنْ» مباشرةً . وبما أن الحقائق الفردوسية يتم إيجادها بكلمة «كُنْ» مباشرةً فسمّيت بـ«الكلمات» .

     فتأمل إذا ما يتمّ ربط الفطرة الإنسانية – مباشرةً – بالذات المباركة التي لاتنتهي كلماتها ، فهل لأحد أن يتوجَّسَ خيفةً من وقوفها وانقطاعها عندما تتوصل إلى درجةٍ معينةٍ ؟ ففي جانب منها لامحدودية طلبنا وحرصنا مما لايرضىٰ الوقوف عند حدٍ . وإن البحث عن الأفضل و الأروع في الحياة الدنيا مما يتطلبه فطرتنا وجبلتنا . وإن الذي خَلقنا ، خلقنا وهذه اللامحدودية من الطلب والبحث.(6)

     وبإزاء ذلك جعل ذاته المتصفة بالكمال اللامتناهي مطلبًا طبيعيًا لنا . وهذا الذي توخيت من أن الآية السالفة ، وإن بدت غير مرتبطة بما سبقها من الآية ، ولكن استقصاء النص القرآني وتتبعه ، يدل على أن الارتباط أوثق ما يكون فيما يشعر ذو النظر الخاطفة بتلاشي الارتباط .

     فالحياة الفردوسية إذا كانت تتّصف بقانون التجدد والتنوع بشكي الارتباط .

قها من الآية ، ولكن استقصاء النص القرآني وتتبعه ، يدل على أن الارلٍ مستمرٍّ ، فماذا عسى أن نقول غير : (لاَيَبْغُوْنَ عَنْهَا حِوَلاً) .

     والحق أنه إذا كانت الاستضافة بالحياة الفردوسية ، فماذا عسى أن يلقىٰ المرء بعدما تصبح الجنة مستقرًا له وموطنًا . وصدق الله مولانا العظيم إذ قال : (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أكْبَرُ) (سورة آل عمران/15) .

     وأتذكر ما قاله الشاعر الناقد الدكتور إقبال(6) ولا أدري إذا كانت ذاكرتي لاتخونني ، ولكن تعبيرًا أصدق ما يكون عن ذلك التجدد الدائم والتلذذ غير المتناهي ، قد خزنته ذاكرتي ، وربما بنصه ، ما معناه:

     «إن الحرقة لحياة .لاتخونني ، ولكن تعبيرًا أصدق ما يكون عن ذلك التجدد الدائم والتلذذ غير المتناهي ، قد خزنته ذاكرتي ، وربما بنصه ، وإن الحرقة لدوام ، وإن قلبي مسافر راحلٌ فليكن الله حليفه».

     وإليه يشير رحمه الله بشطر من بيته ما معناه:

     «إنك لا تعجزين أن تصِلي إلى الله تعالىٰ ، وتُدركيه أيّتها الشجاعة الرجالية» .

     إذاً لنا أن ندرك أن الذين يصرفون جميع طاقاتهم ومساعيهم عن جميع الوجوه إلى هذه الحياة الدنيا ، ويضيّعونها فيها أشدِدْ بالظلم الذي يمارسونه على أنفسهم وعلى الإنسانية .

     ولقد كان مولانا الروم يصيح قائلاً ما معناه:

     * لا تظن أن كل زاهد تخصّه الطهارة ، ولا تهونَنّ نفسُك عليك ؛ فإنك شيء غالٍ .

     * إنك لم تتجلَّ بعدُ ، فلم تشاهد جمالك ، إن سحرًا كالشمس سيصدر من داخلك .

     * إن الكون يعود اليوم مقبرة الإمكانيات الإنسانية، غير أنه يدرك من يدرك أن هذا العهد – الذي نعيشه – يشهد ظهور هذه الإمكانيات . فيموت من يموت ، ويقضي نَحبَه ، ويظن غيره أنه يعيش ويحيى . وصدق الشاعر الأردي «أكبر» إذ قال ما معناه :

     «قد يطيب للجميع أن المبضع يجري في العملية الجراحِية جريًا ، وهم في غفلةٍ أن المصاب قد يلفظ نفسَه» .

بعضها لاكلها :

     والحق أننا فوجئنا في القرون القليلة الأخيرة بظهور بعض الأقساط – لاكلها – من الاستدراج الدجالي ، ولكن ماذا تدلّ عليه ؟ تقول التجربة والمشاهدة إن الرغبة اللامتناهية في البحث ، مما يحمله الفطرة الإنسانية ، لاتزال تفقد – اليوم – القناعة والهدوء كما كانت بالأمس ، ولم نشاهد – ولن نشاهد – إلا ما مرّ علينا في الأمس الدابر.

     إن التسهيلات التي كان يفقدها ملوك الأرض بالأمس ليتمتع بها اليوم كل أعرابي ، وقروي همج. وليرجع كل منا – فرادى وجماعات – إلى نفسه ويتأمل : هل انسَدَّ الفراغ – الذي كنا نعيشه – انسدادًا ما ؟.

     واعلم أن العالم لو استخرج جميع قدراته إلى آفاق طلبنا الطبيعي ، فإنها تتلاشىٰ فيها تلاشي حبة الخردل في الصحراء الجرداء . إنك لن تستطيع أن تملأ بطن الأسد بالأعشاب دون اللحوم ولا أن تقنعه بالعلف . يا ويلتى ! إن الإنسان يسفّ التراب، ويجعلونه يسفّه ، مما قال فيه من قال ما معناه :

     «إن القبضة إلى القبضة لتصل بل إلى الله ، وما عدا ذلك فاضربه وراءك»

     إن الذي اُسْقِط من عليائه يؤكد له أنه يصعد إلى السموات .

استدراك :

     والآية الأخيرة التي تنتهي بها سورة الكهف قوله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوْحىٰ إليَّ انَّما إلـٰـهُكُمْ إلـٰـهٌ وَاحِدٌ ، فَمَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا ، وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادِةِ رَبِّه أَحَدًا)

     وما سبق هذه الآية يبدو أنه لايرتبط بها كثيرًا، ولكن تأمل أنه ذكر فكرة توليّ الاختصاصين والقادة – دون الإشراك – تخلصًا من التبعات القانونية التي فرضها خالقهم ، ثم ما طعن فيه ، إذا ما نظرنا إليه ، أفليس من الطبيعي أن يتساءل أو يمكن أن يتساءل المرء عما إذا كان اتخاذ من دون الله أولياء . وتوليهم جريمةً، فإن هذه الجريمة قد ركبها أولئك الذين يتخذون الرسل والأنبياء وسائط فيما بينهم وبين الله تعالى ، واستعانوا بولايتهم ، والقرآن الكريم ينصّ بدوره – على (إنَّمَا ولِيُّكُمُ اللهُ وَرسُوْلُه) (سورة المائدة/55).

     ولاشك أنها شبهة تستلزم كشفها ، وبيان الحق والصواب . والحق أن الوساطة بين العباد وربهم ، أمر لايسع إنكاره . إن من أحدٍ إلا يشاهد التوسط بالشمس إلى الضوء وبالبقرة والجاموس – مثلاً – إلى الحليب . إذاً نفي الوساطة بين العباد وربهم رفض لأمر مشاهد بديهي ، إلا أن المهم في الأمر ممارسة هذه الوساطة ، كيف هي ؟

     وقد مرّ بك ما يتميز به موقف المشركين أي أنهم فرارًا من المسؤوليات التي فرضها الله تعالى ذهبوا إلى أن يقدّموا هذه الوسائطَ فيما يهمّهم ، ويقربوا إليها ما يُرضِيها من القرابين ، ويتضرعوا إليها زعمًا منهم أنها ستحقق لهم ما أرادوا .

     وبإزاء ذلك حيلة أخرى تخلصهم من هذه المسؤوليات ، وهي أن يخرّجوا أناسًا أمثالَهم مهرةً اختصاصيين في مختلف مجالات الحياة ، ويقولوا على هؤلاء الاختصاصيين والقادة في قضاء حاجاتهم ، بمعزلٍ عن الله تعالى كل الانعزال . وبما أن هذين الوجهين يمثلان الخروجَ والاستنكافَ عن ربهم ، والتهّربَ من تحقيق الهدف من وراء وجودهم ، رفَضَ القرآن الكريم وجوه تولي الوسائط هذه . وأما وجه الولاية الذي يؤمن التوصل إلى الخالق ومرضاته، ويصل بالإنسان إلى الهدف الطبيعي من وراء وجوده وولادته، فإن هذا الوجه من الولاية حاجةٌ ماسَّةٌ لاغنىً عنها في هذه الحياة الدنيا، ولن توفّق الحياة الإنسانية بمعزلٍ عنها، فأُوصِيَ الإنسان الأَول – أبو البشر – حين أُنزِل من السماء بـ(فَإمَّا يَأتِيَنَّكُمْ مِنِّيْ هُدَىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلاَهُمْ يَحْزَنُوْنَ) (البقرة/38) .

     فهذه الآية الأخيرة من سورة الكهف تكشف – فيما أرىٰ – هذه الحقيقة . وأمرِ الرسولُ أن يصرّح – تصريحًا – بأنه ليس إلا بشرًا مثلهم ، وإنما اختاره الله تعالى لبيان مرضاته وتبليغها . وروحها الجوهرية وعنصرها الأساسي ، أن يُتَّخذ خالقُ الكون إلـٰـهًا يعبده الإنسان ، ومرجعًا يرجع إليه في قضاء حاجاته كلها : صغيرها وكبيرها ، دينيها ودنياها ؛ ومصيرًا يصير إليه جميعًا . وهذا معنى وملخص قوله تعالى : (إنما إلـٰـهُكُمْ إلـٰـهٌ وَاحِدٌ) .

     وأما قوله : (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّه فَلْيَعْمَل عَمَلاً صَالِحًا ، وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّه أَحَدًا) فأرىٰ أنه يوجّه إلى الطريقة العملية إلى اتخاذ خالق الكون إلـٰـهًا واحدًا بمعنى الكلمة .

     وحاصله – فيما يبدو – أن الذين يتمنون الارتباط بالله سبحانه وتعالى ارتباطاً مباشرًا فإن عليهم أن يستقيموا على النهج في حياتهم الدينية ، لتصبح حياتُهم عامرةً بالعمل الصالح . «والعمل الصالح» وإن كان عامًا شاملاً إلا أنه تَلاَهُ بيان عبادة الخالق ، وعلاقته بعباده التي يجب أن يتقيدوا بها فَلِنَعْلم – إذاً – أن السعي على إصلاح ذات البين مع الخلق ، وعبادة الخالق من شأنه أن يصل بالمرء إلى العاقبة الحسنة .

     ولِنَعْلَمْ أن الذين نراهم نشيطين في عبادة الخالق بالصيام والصلاة ، مهملين علاقتهم مع الخلق أو العكس أي الذين يركزون على العلاقة مع الخلق، ويُحرَمُوْنَ الاتصال اللازم بالخالق : كلا هذين الصنفين من الناس قد ضَلّ عن الوجه الطبيعي الحق من السلوك الإنساني ، ولايهتدي إلى الصراط المستقيم إلا من جمع بين الأمرين .

     أضِف إلى ذلك أننا إذا لاحظنا تقديم العمل الصالح على عبادة الربّ في الذكر فيبدو أنه يوحي إلى أن الذين يفسدون ذات البين ، ويرتبطون بالخالق، فإنهم يقفون موقفًا غير طبيعي .

     وانتهت خطرات ومشاعر عبد ظلوم جهول فيما يخصّ سورة الكهف عند أذان العصر الثاني عشر من ربيع الثاني 1371هـ الموافق 11/ من يناير 1952م بكهف الإيمان المعروف بـ«الغرفة».

     ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم .

     ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا . ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا ، واعف عنا ، واغفرلنا، وارحمنا ، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين .

     سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت السميع العليم .

     وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات .

     هذا والسلام على من اتبع الهدىٰ

     العبد / مناظر أحسن الكيلاني

*  *  *

الهوامش :

(1)          ولدراسة الموضوع ارجع إلى كتابنا : «الدين القيم» الذي نشره مكتبة الفرقان قبل بضعة أعوام .

(2)     ابن عباس (3 ق هـ - 68هـ = 619-687م) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي ، الهاشمي ، أبو العباس: حبر الأمة ، الصحابي الجليل . لازم رسولَ الله ورى عنه الأحاديث . له 1660 حديثًا . كان آيةً في الحفظ ، ينسب إليه كتاب في التفسير. (راجع الإصابة 2/330 ؛ والأعلام للزركلي 4/95) .

(3)          الدر المنثور 1/35 .

(4)          رواه البخاري في بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة [3244] 6/318؛ ومسلم في الجنة [2] 4/2174.

(5)     روى مسلم (في كتاب الإيمان باب إثبات رؤية الؤمنين.. [297] 1/163) ، والترمذي (في تفسير سورة يونس [3105] 5/267) الحديث الشهير الذي يدل على أن أهل الجنة يكشف لهم الحجاب بعد ما ينالون ما أرادو . ويتمّ ربط العبد بربه دون حجاب . وارجع في شرح معنى : «زيادة» إلى المصادر .

(6)          (خُلِقَ الإنْسَانُ هَلُوْعًا) والهلوع معناه ما قال الشاعر الأردي ما معناه :

«إنها لآلاف من الرغبات والأماني ، تُؤدي كل منها بالحياة ، وما أكثر ما تحقق منها ، ولكنها غير كثيرة».

وروى البخاري (في الأذان باب فضل السجود [806] 2/293) ، ومسلم (في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية [299] 1/165) قصة خروج رجل من النار بعد ما امتحش ، فيسكت ماشاء الله أن يسكت ثم يتقدم ، ثم يسكت حتى يدخل الجنة .

ويقول أهل التحقيق : إن هذا تمثيل يوضح ما جُبِلَ عليه الإنسان من الاستعجال واللامحدودية .

 

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . جمادي الأولي 1426هـ = يونيو – يوليو 2005م ، العـدد : 5 ، السنـة : 29.